مدونة حلمي العلق

سورة البقرة من آية 30 إلى آية 39

 | ayat | elbakara

﴿⁠⁠⁠وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ [30]

تخبرنا الآية عن حدث هام ومفصلي في تاريخ الإنسان وهو اختياره للخلافة في الأرض، "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً" في وقت من الأوقات أبلغ الله عز وجل الملائكة أنه سيجعل في الأرض "خليفة" يمتلك من خلال تلك الخلافة الحرية والقدرة وسيُأجِل له الحساب، ونتيجة لذلك ستتاح له الفرصة في أن يفعل مايشاء، وقد يَعصي ويفسد في الأرض ويسفك الدماء، فكان من الملائكة أن تعجبوا من هذا الأمر الرباني بصيغة المعترض وبادرت برد سريع متسائلةً: "قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ" كيف يحدث ذلك ونحن الملأ الأعلى نطيعك ونسبحك ونقدس لك، بينما يكون من هذا الأدنى أن يعصيك؟ فكان الرد الرباني سبحانه وتعالى "إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ" على أنه سبحانه وتعالى سيخبرهم بباقي الأمر عملياً كما توضح الآيات التالية.

﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [31]

"وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ" علّم الله سبحانه وتعالى آدم أسماء الصالحين من بني البشر الذين سيحققون هدف الخلافة الحقيقي في الأرض، ثم عرض أولئك الصالحين أمام الملائكة وطلب منهم تحديد أسمائهم "ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ" إن كنتم صادقين في ادعائكم أن هذا المخلوق لا ينفع لهذه الخلافة!

وهذه الأسماء ليست مجردة من المعنى، إنها أسماء حقيقية تعبّر عن حقيقة هذا العبد الصالح، فإن كان اسمه صادق فهو صادق فيما يعد، وإن سمي حسن فهو حسن في فعله وقوله، تعليم الله عز وجل الأسماء لآدم هو من أجل تبيين فكرة أن هذا المخلوق - الأدنى - سيكون منه أنه سيسبح ويقدس لله بدرجة أعلى من المخلوق الأعلى - الملاك - مع ما يعتري هذا المخلوق من شهوات ورغبات وعقبات وفتن، لكنه سيتجاوزها ويخلص لله في الغيب.

قوله تعالى "أسماء هؤلاء" يثبت أن المطلوب هو أسماء أناس محددين من صنف الإنسان الذي تم اختياره لهذه الخلافة، ولكي تكون المحاججة ذات معنى فالرد لابد وأن يعطي إجابة على التساؤل الذي تطرحه الملائكة، الملائكة تعترض على إسناد الخلافة لهذا الصنف الذي قد يكون منه أن يسفك الدماء ويفسد في الأرض، لذا كان الرد على هذا الاعتراض بإبراز مخلوقات من صنف الإنسان ولكنها صالحة وتحقق أهداف الخلافة، وبهذا تكون الإجابة ذات دلالة محسوسة بالنسبة لنفس السؤال.

صحيح أنه سيكون من الإنسان -الذي سيتمكن في الأرض بسبب الخلافة - أن يبتعد عن الله وعن تسبيحه وتقديسه ويفسد في الأرض ويسفك الدماء، ولكن في المقابل هناك من نفس هذا الصنف من سيصل إلى مرتبة هي أعلى من الملائكة، سيسبح الله ويقدس الله ويصلح في الأرض، وبهذا فإن هذه الآية الكريمة توضح مشروع هام للإنسان وهو خلافة الله في الأرض.

﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [32]

"قَالُوا سُبْحَانَكَ" في هذا التسبيح إشارة ضمنية إلى عجزهم في معرفة الغيب فهو لله، فسؤال طلب الأسماء متعلق بالغيب وهو ليس في يد أحد إلا الله، والتسبيح تنزيه لله في أن يمتلك أحد شيئًا من قدرته غيره سبحانه، لذا عقبوا بالقول: "لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ"، وهذا يعني أنهم فهموا أن الله يطالبهم بعلم الغيب وما سيحصل حقيقة لهذا الإنسان في قابل الأيام حين يكون في موقع الخلافة، وعلى أساس فهمهم هذا أجابوا أن "لا علم لنا" بذلك الغيب، وعليه فإن الملائكة تستغفر الله من خلال التسبيح حيث استوعبت أنه لاينبغي أن يصدر منها ذلك الاستفهام الاعتراضي أو أن تقضي بشيء وهي لا تعلم الغيب، "إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ" فالعلم لك وحدك، وأنت حكيم فيما تقضي وتقدر. وبعد أن عبرت الملائكة عن عجزهم في معرفة أسماء المعنيين بالسؤال، وجه الله عز وجل نفس السؤال إلى آدم:

﴿ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ [33]

"قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ" وجه الله عز وجل ذات السؤال إلى آدم الذي تعلم الأسماء من عند الله، فأنبأهم بالأسماء، ولم يكن ذلك تبيان للحقيقة بمجرد معرفة اسم أحد غير معروف، ولكن التبيان كان على اعتبار أن الاسم يعني حقيقة الشخص فهي سمته التي ستبرز فيه حين يكون إنساناً متحملاً لخلافة الله على الأرض، فبتعريف حقيقة هؤلاء الأشخاص المعروضين أمام الملائكة يتضح صوابية أن يكون هناك خليفة لله يقدس الله ويسبحه، لأن تسبيح هذا المخلوق سيكون حتماً أعلى من تسبيح الملاك، فالملاك يعيش عالم الشهادة، ولكن هذا المخلوق - الإنسان - سيعيش عالم الغيب، وسيعطى إمكانيات عالية يتحكم من خلالها في هذه الحياة ومع ذلك سيخشى الله ويسبحه ويقدسه ويسجد له، وهذه مرتبة أعلى من المرتبة الأولى، فإذا وجد مخلوق يقدس الله بدرجة أعلى من تقديس الملائكة من خلال تلك الخلافة، فستكون خلافته مبررة وعمل صحيح.

"فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ" وعلى أساس أن ذكر تلك الأسماء ثبتت صوابية خلافة الإنسان، وحينها كان الرد الرباني "أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ" وكان الرد بأنني أعلم ما سيكون من هؤلاء الصالحين الذين سيحققون مطلب الخلافة "وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ" ويظهر من كلمة "ماتبدون" هو ما أظهروه من استفهام اعتراضي، أما كلمة "ما تكتمون" إشارة إلى وجود من أظهر استفهامه وهو يكتم في صدره شيئًا آخر تبينه الآية التالية:

﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ ﴾ [34]

"وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ": في وقت آخر أمر الله عز وجل الملائكة بالسجود لآدم، فسجد الجميع إلا أبليس أبى أن يسجد "فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ"، ثم عندما تبيّن له أنه مخطئ في هذا الإباء، استكبر "وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ"، وهنا انكشف إبليس من بين الملائكة، فهو الذي كان "يكتم" الغيرة والحسد للإنسان بسبب اختياره للخلافة وبسبب هذا التفضيل في أمر الخلافة، وتجسد ذلك في كراهيته لآدم ورفضه للسجود له على أساس من العنصرية والتمايز الخَلقي.

وكانت فتنة إبليس فسقط في عداوته وحقده وحسده، وعلى أساس هذا السقوط الذي كان يعلمه الله سبحانه وتعالى قبل أن يقع، ترتب أن يُعطى إبليس الإمكانية في إغواء بني البشر عن نهج الله القويم في خلافة الأرض، بحيث يكون للإنسان حرية الاختيار بين نهج الله ونهج العدو الشيطان الغوي الرجيم.

﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ ﴾ [35]

"وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ" خاطب الله عز وجل آدم بأن يسكن هو وزوجه الجنة، وفتح أمامهما المجال للأكل منها حيثما شاءا، ولكنه حرم عليهما شجرة واحدة، وقال "وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ"، وعبارة التحريم هي "لا تقربا" وهي تؤكد أن لا يأتي آدم مقدمات الأكل فضلًا عن الأكل منها، وإلا فإنهما سيكونا من الظالمين لأنفسهم "فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ"، وهذه الخاتمة تبيّن أن في الالتزام بالإمر صيانة لهما من الخسران، فلا يتصورا أن يكون الخير في الاقتراب من تلك الشجرة.

﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ [36]

"فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا " فأزلهما الشيطان عن الجنة، والزلة هي الخطأ البسيط وقد تطلق على الخطأ غير المقصود، الآية تقول أن الشيطان هو الذي أوقعهما في هذه الزلة ونتيجة الوقوع فيها أن أُخرجا من الجنة، والذي أخرجهما منها هو الله عز وجل ولكن الآية تقول "فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ" تشير بذلك إلى السبب الأساس وهو الشيطان الرجيم، ولمعرفة الشيطان الرجيم بمآل من يخالف أمر الله، لذا ماكان ينتظر منهما غير زلة بسيطة حتى يوقعهما في هذه الخسارة الكبرى.

"وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ" اهبطوا من الجنة، والهبوط هنا من المكانة العالية إلى المكانة الأقل، من الوفرة والسعادة الدائمة إلى الحاجة والعناء والتعب، وسيكون في هذا الهبوط استقرار مؤقت، ومتاع يوفر حاجة ذلك الاستقرار، واختبار آخر لبني آدم إلى حين يأذن الله عز وجل بأن يعيد من يعيده إلى جنة الخلد "وَلكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ".

وخلال ذلك الاستقرار سيكون "بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ" بعض من بني آدم هم أتباع الشيطان عدو للبعض الآخر الذي سيتبع هدى الرحمن وأوامره، فعداوة الشيطان ستنتقل إلى بني آدم ليعادوا بعضهم البعض.

﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [37]

"فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ" للكلمات التي تلقاها آدم من ربه علاقة بالتوبة، ومن هذا يمكننا أن نفهم أن آدم تعلم من خلال تلك الكلمات كيف يطلب العفو والمغفرة من الله عز وجل، وعندما طبق ما أُمر به في تلك الكلمات تاب الله عليه، وقد علِم آدم من خلال تلك التجربة القاسية ماذا يعني نسيان الأمر، وماذا يعني الإصغاء لأي كلمة تخالف أمر الله، وأن كل كلمة تخالف أمر الله إنما مصدرها الشيطان. أما التوبة فإنها تقود إلى التوقف عن تكرار نفس الخطأ، وهذا أمر يحتاج إلى توفيق من عند الله عز وجل "إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" ، الله عز وجل تواب لأنه يقبل التوبة من عباده، ورحيم بهم إذ يوفقهم لذلك.

﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [38]

في هذه الآية ينتقل الحديث إلى بني آدم اللاحقون له من بعده "قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً"، فبهبوط آدم من الجنة هبطت الذرية كاملة معه إلى الأرض، وسيمتحنون خلال ذلك الاستقرار في كلمات الله التي ستأتيهم هم أيضًا كما اُمتحن أبوهم آدم في كلمة "لا تقربا هذه الشجرة"، "فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ" فإذا جاءكم الهدى فاتبعوه ولن تخسروا، فلا خوف على من اتبع الهدى ولاحزن عليه لأنه سار على ذلك الهدي، ويتأكد معنى الهدى أنه الآيات المنزلة من عند الله في كتبه السماوية في الآية التالية:

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [39]

"وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا" تأتي هذه العبارة الكريمة في مقابلة للآية السابقة كنقيض لمن اتبع الهدى، وهذا ما يؤكد أن الذي اتبع الهدى إنما اتبعه باتباع الآيات المنزلة من عند الله عز وجل، فأولئك الذين صدقوا بآيات الله واتبعوها لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أما الذين جاءتهم كلمات الله وآياته المنزلة ولكنهم كفروا وكذبوا بها فهم الخاسرون لأنهم سيخلدون في النار نتيجة لذلك التكذيب: "أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ".


حديث الله عزوجل عن خلافة الإنسان؟

﴿⁠⁠⁠وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ [30]

لقد بين الله عز وجل للملائكة مشروع خلافة آدم، والملائكة مُمَلكون في الكون، فمنهم من يملك الريح ومنهم من يملك الجبال وآخر يملك الموت، وهكذا، وهذا يكشف سنة ربانية أنه عز وجل الآمر الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، ومع ذلك فإنه يبيّن حقيقة فعله وما هو مآل ما يفعله، وكشف للملائكة مشروع خلافة الإنسان وما سيؤول إليه، وأن نجاح الخلافة سيكون في ثلة مؤمنة صادقة سيكون منها أن تؤمن وتصل إلى أعلى درجات الإيمان رغم اختبار الغيب وبلاءات الحياة، فالخلافة من جهة أخرى هي اختبار يمتحن الإنسان فيه عن صدق إيمانه وثباته حتى يتم فرز الصادقين منهم لجنة الخلد.

فإذا كان التسبيح وتقديس الله هو أعلى مراتب العبادة لله عز وجل كما تحدثت بذلك الملائكة، فإن ذلك سيكون من الإنسان رغم ما هو فيه من امتحانات ورغم كل إمكانات الكفر والاعتداء، وهذا يُظهر تقديسًا أعلى لله رب العزة والجلال، وبهذا التبيين فهم الملائكة أصل الموضوع الذي أراده الله عز وجل من هذه الخلافة.

التكبر

﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [37]

لقد تاب الله على آدم وعلمه التوبة وماذا يقول حتى يتوب الله عليه، وفي المقابل لم يفتح له هذا الباب، ذلك لأن آدم لم يستكبر في المقابل ابليس أبى واستكبر، لقد أبدى آدم الندم فتاب الله عليه، ولكن الشيطان أبدى العناد والرغبة في مواصلة الطريق وإثبات أن اختيار الله عز وجل لآدم وذريته للخلافة كان خطأً، وهنا يكمن الخطر، فالتوبة لايمكن أن تكون من نصيب المستكبرين والمعاندين، ولكن طريقها يبدأ بالاعتراف بالخطأ ثم الندم والرغبة في التوبة والإنابة.

الدعوة المضادة

﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [38]

اقتضت حكمة الله عز وجل أن يكون لدعوته دعوة مضادة حتى يتوازن الواقع، وذلك بأن تكون هناك دعوة لله ودعوة للشيطان وعلى الانسان أن يختار بين الدعوتين بمحض إرادته، وبهذا نفهم أن الله عز وجل يريد أن يعمل اختبارًا صغيرًا للحياة الدنيا قبل الحساب المؤجل، وعلى الإنسان قبل ذلك أن يحدد مستقبله الأخروي، هل يختار أن يعيش الجنة فى راحه بلا جوع ولاظمأ ولا تعب، أم يختار أن يعيش في شقاء النار الدائم والعذاب والتعب؟

كان اختبار آدم في الجنة الأولى انموذجًا مصغرًا لاختبار الإنسان في هذه الحياة الدنيا، وكان حرمان آدم من الجنة أنموذجًا مصغرًا أيضًا للحرمان الأكبر وللشقاء الأعظم الذي سيواجه الإنسان إن هو نسي كلام الله ونسي عدوه اللدود الشيطان الرجيم، كان بإمكان آدم أن يعيش في الغنى الدائم لو أنه لم يأكل من تلكم الشجرة، كان الأمر فقط مقتصر على أن لا يقرب "الشجرة" هذا هو الحكم الوحيد له ولزوجه، وقد عمل الشيطان على أن يقترب من تلك الشجرة ثم يأكل منها رغبةً منه أن يوقع آدم في مخالفة كلمات الله، وهذا يخلص أيضًا دعوة ابليس.

يمكن تعميم دعوة إبليس أنها دعوة مضادة لكلمات الله، وعلى هذا الأساس يمكن اكتشاف تلك الدعوة من خلال المعرفة الحقيقية لكلمات الله، فمن تلك المعرفة يمكن اكتشاف الكلمات المضادة والمخالفة والمغيرة لها، ومن ذلك يمكن استنتاج أن المصدر وراء ذلك التغيير هو ابليس الرجيم، وعلى هذا يمكن اكتشافه واكتشاف تحركاته في الإفساد.

تولي ابليس ليس بالأمر الصوري المكشوف، فقد يقع الإنسان في ولايته بسهولة حين يتخذ من الكلمات المضادة لكلمات الله منهجًا يتقرب به إلى الله، هذا الاتخاذ هو تولي، ومن هذا التعامل يمكن أن نعرف أصل الخدعة التي يقع فيها الإنسان دون أن يشعر وأصل مشكلة الشرك التي تكمن في تغيير كلمات الله، والابتعاد عن الهدى المنزل في آيات الله.

الهدى

﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [38]

تتحدث الآيات عن الهدى على أنه محور اختبار الانسان، هل يأخذ به ويتمسك به ولا يسمح لنفسه بنسيانه أم أنه يتجاوزه إلى غيره ويلتزم بما يخالفه، ومناط معرفة كلمات الله هو أن يشعر الإنسان بالهدى من الكتاب المنزل من عند الله، ويمتاز الهدى بقوة النفوذ في قلب الإنسان، فيشعر بقلبه أن هذه الكلمات صادرة من عند الله، وأن هذا هو الطريق الصحيح الذي يريده الله عز وجل.

لم يكن في الآيات اعتبار لناقل ذلك الهدى، لا في شكله ولا في مستواه الاجتماعي ولا في ما يملك من قدرات عقلية أو إمكانات اجتماعية، فالهدى قائم بذاته ولا يحتاج لما يسنده، ولقد كان التركيز على طبيعة الاختبار بصورة مختصرة، فالاختبار يقول: ماهو وضع الإنسان إذا جاءه الهدى؟ هل يتمسك به ويلتزم بما جاء فيه أم أنه يكفر به ويكذب به؟

قصة آدم والشيطان توحي بامتحان الهدى في صورة مجردة، تلك الصورة هي أن يأتي الهدى للإنسان بأي شكل وأي وسيلة، فيقبله قلبه ويؤمن به، ثم تأتي كلمات أخرى تفتنه وتشغله عن كلمات الله، وتعمل جاهدة على تغييره، وتعاكس ذلك الهدى على مدى سنوات طويلة، فيكون اختبار الغيب لذلك المؤمن: هل تثبت على كلمات الله؟ أم تنساها كما نساها أبوك آدم؟ فتخرج كما خرج من الجنة؟